الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

24

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بإعطائه دون حرج ولا عسف ، فهو استعارة . وقوله : فَكُلُوهُ استعمل الأكل هنا في معنى الانتفاع الذي لا رجوع فيه لصاحب الشيء المنتفع به ، أي في معنى تمام التملّك . وأصل الأكل في كلامهم يستعار للاستيلاء على مال الغير استيلاء لا رجوع فيه ، لأنّ الأكل أشدّ أنواع الانتفاع حائلا بين الشيء وبين رجوعه إلى مستحقّه . ولكنّه أطلق هنا على الانتفاع لأجل المشاكلة مع قوله السابق : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [ النساء : 2 ] فتلك محسّن الاستعارة . و هَنِيئاً مَرِيئاً حالان من الضمير المنصوب وهما صفتان مشبّهتان من هنا وهنئ - بفتح النون وكسرها - بمعنى ساغ ولم يعقب نغصا . والمريء من مرو الطعام - مثلث الراء - بمعنى هنيء ، فهو تأكيد يشبه الاتباع . وقيل : الهنيء الذي يلذّه الآكل والمريء ما تحمد عاقبته . وهذان الوصفان يجوز كونهما ترشيحا لاستعارة فَكُلُوهُ بمعنى خذوه أخذ ملك ، ويجوز كونهما مستعملين في انتفاء التبعة عن الأزواج في أخذ ما طابت لهم به نفوس أزواجهم ، أي حلالا مباحا ، أو حلالا لا غرم فيه . وإنّما قال : عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فجيء بحرف التبعيض إشارة إلى أن الشأن أنّ لا يعرى العقد عن الصداق ، فلا تسقطه كلّه إلّا ؛ أنّ الفقهاء لمّا تأوّلوا ظاهر الآية من التبعيض ، وجعلوا هبة جميع الصداق كهبته كلّه أخذا بأصل العطايا ، لأنّها لمّا قبضته فقد تقرّر ملكها إيّاه ، ولم يأخذ علماء المالكية في هذا بالتهمة لأنّ مبنى النكاح على المكارمة ، وإلّا فإنّهم قالوا في مسائل البيع : إنّ الخارج من اليد ثم الراجع إليها يعتبر كأنّه لم يخرج ، وهذا عندنا في المالكات أمر أنفسهنّ دون المحجورات تخصيصا للآية بغيرها من أدلّة الحجر فإنّ الصغيرات غير داخلات هنا بالإجماع . فدخل التخصيص للآية . وقال جمهور الفقهاء : ذلك للثيّب والبكر ، تمسّكا بالعموم . وهو ضعيف في حمل الأدلّة بعضها على بعض . واختلف الفقهاء في رجوع المرأة في هبتها بعض صداقها : فقال الجمهور : لا رجوع لها ، وقال شريح ، وعبد الملك بن مروان : لها الرجوع ، لأنّها لو طابت نفسها لما رجعت . ورووا أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى قضاته « إنّ النساء يعطين رغبة ورهبة فأيّما امرأة أعطته ، ثمّ أرادت أن ترجع فذلك لها » وهذا يظهر إذا كان ما بين العطيّة وبين الرجوع قريبا ، وحدث من معاملة الزوج بعد العطيّة خلاف ما يؤذن حسن المعاشرة السابق للعطيّة .